تفسير سورة النَّمل الآيات 83–84 — معالم التنزيل

الكتاب: معالم التنزيل. المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي. سورة النَّمل، الآيات 83–84. الجزء 20. صفحة المصحف 384.

ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (83)

حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أماذا كنتم تعملون (84)

التفسير

هذا التفسير يتناول الآيات من 83 إلى 84.

طَالِبٌ وَلَنْ يَفُوتَهَا هَارِبٌ، تُسَمِّي النَّاسَ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا، أَمَّا الْمُؤْمِنُ فَتَتْرُكُ وَجْهَهُ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ وَتَكْتُبُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مُؤْمِنٌ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَنْكُتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ، وَتَكْتُبُ بين عينيه كافرا" (١). وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَرَعَ الصَّفَا بِعَصَاهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَقَالَ: إِنَّ الدَّابَّةَ لَتَسْمَعُ قَرْعَ عَصَايَ هَذِهِ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: تَخْرُجُ الدَّابَّةُ مِنْ شِعْبٍ فَيَمَسُّ رَأْسُهَا فِي السَّحَابِ وَرِجْلَاهَا فِي الْأَرْضِ مَا خَرَجَتَا، فَتَمُرُّ بِالْإِنْسَانِ يُصَلِّي فَتَقُولُ: مَا الصَّلَاةُ مِنْ حَاجَتِكَ، فَتَخْطِمُهُ (٢).
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَخْرُجُ الدَّابَّةُ لَيْلَةَ جَمْعِ، والناس يَسِيرُونَ إِلَى مِنًى. وَعَنْ سُهَيْلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بِئْسَ الشِّعْبُ شِعْبُ أَجْيَادٍ"، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قِيلَ: وَلِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "تَخْرُجُ مِنْهُ الدَّابَّةُ فَتَصْرُخُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ يَسْمَعُهَا مَنْ بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ" (٣) وَقَالَ وَهْبٌ: وَجْهُهَا وَجْهُ رَجُلٍ وَسَائِرُ خَلْقِهَا كَخَلْقِ الطَّيْرِ، فَتُخْبِرُ مَنْ رَآهَا أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانُوا بِمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ لَا يُوقِنُونَ (٤).
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أَيْ: مِنْ كُلِّ قَرْنٍ جَمَاعَةً، ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ وَلَيْسَ "مِنْ" هَاهُنَا لِلتَّبْعِيضِ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْمُكَذِّبِينَ يُحْشَرُونَ، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يُحْبَسُ أَوَّلُهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ حَتَّى يَجْتَمِعُوا ثُمَّ يُسَاقُونَ إِلَى النَّارِ. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿قَالَ﴾ اللَّهُ لَهُمْ: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ وَلَمْ تَعْرِفُوهَا حَقَّ مَعْرِفَتِهَا، ﴿أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حِينَ لَمَّ تُفَكِّرُوا فِيهَا. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَكَذَّبْتُمْ
(١) أخرجه الطبري: ٢٠ / ١٥، وقد تقدم الحديث نفسه من رواية حذيفة بن أسيد، قال الحافظ ابن كثير: (٣ / ٣٧٦) :"رواه ابن جرير من طريقين عن حذيفة بن أسيد موقوفا، والله أعلم. ورواه من رواية حذيفة بن اليمان مرفوعا، وأن ذلك في زمان عيسى ابن مريم وهو يطوف. ولكن إسناده لا يصح". وانظر: مجمع الزوائد: ٨ / ٧.
(٢) أخرجه الطبري: ٢٠ / ١٦، وعزاه السيوطي (٦ / ٣٨٣) لنعيم بن حماد في "الفتن" عن عمرو بن العاص.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٥ / ١٨١، وابن مردويه، والبيهقي في "البعث" والطبراني في "الأوسط". وفيه رباح بن عبيد الله بن عمر، وهو ضعيف. انظر: الدر المنثور: ٦ / ٣٨٢، مجمع الزوائد: ٨ / ٧.
(٤) ويلاحظ في الروايات الآنفة أن فيها تعارضا واختلافا وضعفا في كثير منها، ولذلك قال أبو حيان في "البحر المحيط" (٦ / ٩٦-٩٧) :"واختلفوا في ماهيتها -الدابة- وشكلها، ومحل خروجها، وعدد خروجها، ومقدار ما تخرج منها، وما تفعل بالناس، وما الذي تخرج به اختلافا مضطربا معارضا بعضه بعضا، ويكذب بعضه بعضا، ويكذب بعضه بعضا، فأطرحنا ذكره، لأن نقله تسويد للورق بما لا يصح وتضييع لزمان نقله".

الجزء: 6. الصفحة: 180.

مصدر النص: quranpedia.net.