تفسير سورة صٓ الآيات 62–65 — معالم التنزيل

الكتاب: معالم التنزيل. المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي. سورة صٓ، الآيات 62–65. الجزء 23. صفحة المصحف 457.

وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62)

أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار (63)

إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64)

قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (65)

التفسير

هذا التفسير يتناول الآيات من 62 إلى 65.

﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَاتخذناهم سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾
﴿قَالُوا﴾ يَعْنِي: الْأَتْبَاعُ ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾ أَيْ: شَرَعَهُ وَسَنَّهُ لَنَا، ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ أَيْ: ضَعِّفْ عَلَيْهِ الْعَذَابَ فِي النَّارِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَعْنِي حَيَّاتٍ وَأَفَاعِي.
﴿وَقَالُوا﴾ يَعْنِي صَنَادِيدَ قُرَيْشٍ وَهُمْ فِي النَّارِ، ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ﴾ فِي الدُّنْيَا، ﴿مِنَ الْأَشْرَارِ﴾ يَعْنُونَ فُقَرَاءَ الْمُؤْمِنِينَ: عَمَّارًا، وَخَبَّابًا، وَصُهَيْبًا، وَبِلَالًا وَسَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. ثُمَّ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْخَرُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَقَالُوا:
﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيَّا﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ: "مِنَ الْأَشْرَارِ اتَّخَذْنَاهُمْ" وَصْلٌ، وَيَكْسِرُونَ الْأَلِفَ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَفَتْحِهَا عَلَى الِاسْتِفْهَامِ (١).
قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْقِرَاءَةُ الْأُولَى أُولَى؛ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهُمُ اتَّخَذُوهُمْ سِخْرِيًّا فَلَا يَسْتَقِيمُ الِاسْتِفْهَامُ، وَتَكُونُ "أَمْ" عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ بِمَعْنَى "بَلْ" وَمَنْ فَتَحَ الْأَلِفَ قَالَ: هُوَ عَلَى اللَّفْظِ لَا عَلَى الْمَعْنَى لِيُعَادِلَ "أَمْ" فِي قَوْلِهِ ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: هَذَا مِنَ الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّوْبِيخُ وَالتَّعَجُّبُ "أَمْ زَاغَتْ" أَيْ، مَالَتْ "عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ" وَمَجَازُ الْآيَةِ: مَا لَنَا لَا نَرَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا لَمْ يَدْخُلُوا مَعَنَا النَّارَ؟ أَمْ دَخَلُوهَا فَزَاغَتْ عَنْهُمْ أَبْصَارُنَا، فَلَمْ نَرَهُمْ حِينَ دَخَلُوهَا.
وَقِيلَ: أَمْ هُمْ فِي النَّارِ وَلَكِنِ احْتَجَبُوا عَنْ أَبْصَارِنَا؟
وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: أَمْ كَانُوا خَيْرًا مَنَّا وَلَكِنْ نَحْنُ لَا نَعْلَمُ، فَكَانَتْ أَبْصَارُنَا تَزِيغُ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا فَلَا نَعُدُّهُمْ شَيْئًا. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذَكَرْتُ ﴿لَحَقٌّ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ فَقَالَ: ﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أَيْ: تُخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ لَحَقٌّ.
﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدُ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ مُخَوِّفٌ (٢) ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.
(١) تتمة العبارة في معاني القرآن (٢ / ٤١١) فهو يجوز بالاستفهام وبطرحه.
(٢) زيادة من "ب".

الجزء: 7. الصفحة: 100.

مصدر النص: quranpedia.net.