تفسير سورة الفَجر الآيات 15–18 — معالم التنزيل

الكتاب: معالم التنزيل. المؤلف: محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي. سورة الفَجر، الآيات 15–18. الجزء 30. صفحة المصحف 593.

فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن (15)

وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (16)

كلا بل لا تكرمون اليتيم (17)

ولا تحاضون على طعام المسكين (18)

التفسير

هذا التفسير يتناول الآيات من 15 إلى 18.

وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ، كَمَا لَا يَفُوتُ مَنْ هُوَ بِالْمِرْصَادِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَرْصَدَ اللَّهُ النَّارَ عَلَى طَرِيقِهِمْ حَتَّى يُهْلِكَهُمْ.
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨)﴾
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾ امْتَحَنَهُ ﴿رَبُّهُ﴾ بِالنِّعْمَةِ ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾ بِالْمَالِ ﴿وَنَعَّمَهُ﴾ بِمَا وَسَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ بِمَا أَعْطَانِي.
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾ بِالْفَقْرِ ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ قرأ أبو جعفر وَابْنُ عَامِرٍ "فَقَدَّرَ" بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُمَا لُغَتَانِ، أَيْ ضَيَّقَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ. وَقِيلَ: "قَدَّرَ" بِمَعْنَى قَتَّرَ وَأَعْطَاهُ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ. ﴿فَيَقُولُ، رَبِّي أَهَانَنِ﴾ أَذَلَّنِي بِالْفَقْرِ. وَهَذَا يَعْنِي بِهِ الْكَافِرَ، تَكُونُ الْكَرَامَةُ وَالْهَوَانُ عِنْدَهُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْحَظِّ فِي الدُّنْيَا وَقِلَّتِهِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ الْكَافِرِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ سَعَةَ الرِّزْقِ إِكْرَامٌ وَأَنَّ الْفَقْرَ إِهَانَةٌ، فَقَالَ ﴿كَلَّا﴾ لَمْ أَبْتَلِهِ بِالْغِنَى لِكَرَامَتِهِ، وَلَمْ أَبْتَلِهِ بِالْفَقْرِ لِهَوَانِهِ، فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِكْرَامَ وَالْإِهَانَةَ لَا تَدُورُ عَلَى الْمَالِ وَسَعَةِ الرِّزْقِ، وَلَكِنَّ الْفَقْرَ وَالْغِنَى بِتَقْدِيرِهِ، فَيُوَسِّعُ عَلَى الْكَافِرِ لَا لِكَرَامَتِهِ، وَيُقَدِّرُ عَلَى الْمُؤْمِنِ لَا لِهَوَانِهِ، إِنَّمَا يُكْرِمُ الْمَرْءَ بِطَاعَتِهِ وَيُهِينُهُ بِمَعْصِيَتِهِ.
قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ "أَكْرَمَنِي وَأَهَانَنِي" بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ، وَيَقِفُ ابْنُ كَثِيرٍ وَيَعْقُوبُ بِالْيَاءِ أَيْضًا، وَالْآخَرُونَ يَحْذِفُونَهَا وَصْلًا وَوَقْفًا.
﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: "يُكْرِمُونَ، وَيَحُضُّونَ، وَيَأْكُلُونَ، وَيُحِبُّونَ" بِالْيَاءِ فِيهِنَّ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ، "لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ" لَا تُحْسِنُونَ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا تُعْطُونَهُ حَقَّهُ.
قَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَكَانَ يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ.
﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أَيْ لَا تَأْمُرُونَ بِإِطْعَامِهِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ: "تَحَاضُّونَ" بِفَتْحِ الْحَاءِ وَأَلِفٍ بَعْدَهَا، أَيْ لَا يَحُضُّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ (١).
(١) في الأصل اختار المؤلف قراءة (يحضون).

الجزء: 8. الصفحة: 421.

مصدر النص: quranpedia.net.