تفسير سورة الحِجر الآيات 41–42 — جامع البيان في تأويل آي القرآن
الكتاب: جامع البيان في تأويل آي القرآن.
المؤلف: أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري.
سورة الحِجر، الآيات 41–42.
الجزء 14.
صفحة المصحف 264.
قال هذا صراط علي مستقيم (41)
إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42)
التفسير
هذا التفسير يتناول الآيات من 41 إلى 42.
فِي الأَرْضِ) وكأن قوله (بِمَا أَغْوَيْتَنِي) خرّج مخرج القسم، كما يقال: بالله، أو بعزّة الله لأغوينهم. وعنى بقوله (لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ) لأحسننّ لهم معاصيك، ولأحببنها إليهم في الأرض (وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) يقول: ولأضلَّنهم عن سبيل الرشاد (إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) يقول: إلا من أخلصته بتوفيقك فهديته، فإن ذلك ممن لا سلطان لي عليه ولا طاقة لي به. وقد قرئ: (إلا عِبادَكَ مِنْهُمُ المُخْلِصِينَ) فمن قرأ ذلك كذلك، فإنه يعني به: إلا من أخلص طاعتك، فإنه لا سبيل لي عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك (إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) يعني: المؤمنين.
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا هشام، قال: ثنا عمرو، عن سعيد، عن قتادة (إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) قال قتادة: هذه ثَنِيَّة الله تعالى ذكره.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾
اختلفت القرّاء في قراءة قوله (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) فقرأه عامَّة قراء الحجاز والمدينة والكوفة والبصرة (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) بمعنى: هذا طريق إليّ مستقيم.
فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إليّ فأجازي كلا بأعمالهم، كما قال الله تعالى ذكره (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)، وذلك نظير قول القائل لمن يتوعده ويتهدده: طريقك عليّ، وأنا على طريقك، فكذلك قوله: (هَذَا صِرَاطٌ) معناه: هذا طريق عليّ وهذا طريق إليّ. وكذلك تأول من قرأ ذلك كذلك.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء،
الجزء: 17.
الصفحة: 103.
هذا التفسير يتناول الآيات من 41 إلى 42.
وحدثني الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابة، قال: ثنا ورقاء، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) قال: الحقّ يرجع إلى الله، وعليه طريقه، لا يعرِّج على شيء.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، بنحوه.
حدثنا أحمد بن يوسف، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا مَرْوان بن شجاع، عن خَصِيف، عن زياد بن أبي مريم، وعبد الله بن كثير أنهما قرآها (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) وقالا عليّ هي إليّ وبمنزلتها.
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن وسعيد عن قتادة، عن الحسن (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) يقول: إليّ مستقيم. وقرأ ذلك قيس بن عباد وابن سيرين وقتادة فيما ذُكر عنهم (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) برفع عليّ على أنه نعت للصراط، بمعنى: رفيع.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي حماد، قال: ثني جعفر البصري، عن ابن سيرين أنه كان يقرأ (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) يعني: رفيع.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (هَذَا صِرَاطٌ عَلِيٌّ مُسْتَقِيمٌ) أي رفيع مستقيم، قال بشر، قال يزيد، قال سعيد: هكذا نقرؤها نحن وقتادة.
حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن هارون، عن أبي العوّام، عن قتادة، عن قيس بن عباد (هَذَا صِرَاطٌ عَلِيٌّ مُسْتَقِيمٌ) يقول: رفيع.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا قراءة من قرأ (هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) على التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد والحسن البصري، ومن وافقهما عليه، لإجماع الحجة من القرّاء عليها، وشذوذ ما خالفها.