تفسير سورة الشعراء الآيات 45–50 — جامع البيان في تأويل آي القرآن

الكتاب: جامع البيان في تأويل آي القرآن. المؤلف: أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري. سورة الشعراء، الآيات 45–50. الجزء 19. صفحة المصحف 369.

فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45)

فألقي السحرة ساجدين (46)

قالوا آمنا برب العالمين (47)

رب موسى وهارون (48)

قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين (49)

قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50)

التفسير

هذا التفسير يتناول الآيات من 45 إلى 50.

ذلك لدلالة خبر الله عنهم أنهم قال لهم موسى: ألقوا ما أنتم ملقون، على أن ذلك معناه ف (قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ) من حبالكم وعصيكم. (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ) من أيديهم (وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ) يقول: أقسموا بقوّة فرعون وشدّة سلطانه، ومنعة مملكته (إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) موسى.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾
يقول تعالى ذكره: (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ) حين ألقت السحرة حبالهم وعصيهم. (فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) يقول: فإذا عصا موسى تزدرد ما يأتون به من الفرية والسحر الذي لا حقيقة له، وإنما هو مخاييل (١) وخدعة. (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ) يقول: فلما تبين السحرة أن الذي جاءهم به موسى حق لا سحر، وأنه مما لا يقدر عليه غير الله الذي فطر السموات والأرض من غير أصل، خرّوا لوجوههم سجدا لله، مذعنين له بالطاعة، مقرّين لموسى بالذي أتاهم به من عند الله أنه هو الحقّ، وأن ما كانوا يعملونه من السحر باطل، قائلين: (آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) الذي دعانا موسى إلى عبادته دون فرعون وملئه. (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) يقول جلّ ثناؤه: قال فرعون للذين كانوا سحرته فآمنوا: آمنتم لموسى بأن ما جاء به حق قبل أن آذن لكم في الإيمان به. (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) يقول: إن موسى لرئيسكم في السحر، وهو الذي علَّمكموه، ولذلك آمنتم به. (فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) عند عقابي إياكم وبال ما فعلتم، وخطأ ما صنعتم من الإيمان به.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾


(١) مخاييل: جمع مخيلة، بمعنى المظنة، وأصله مخايل. والكوفيون يزيدون في مثل هذا الجمع ياء قبل آخره، مثل دارهيم وصياريف جمعى درهم وصيرف.

الجزء: 19. الصفحة: 348.

مصدر النص: quranpedia.net.