تفسير سورة الأنعَام الآية 161 — جامع البيان في تأويل آي القرآن
الكتاب: جامع البيان في تأويل آي القرآن.
المؤلف: أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري.
سورة الأنعَام، الآية 161.
الجزء 8.
صفحة المصحف 150.
قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين
التفسير
قيل: أضيفت إليها لأنه مرادٌ بها: فله عشر حسنات أمثالها، فـ"الأمثال" حلّت محل المفسّر، وأضيف"العشر" إليها، كما يقال:"عندي عشر نسوة"، فلأنه أريد بالأمثال مقامها، فقيل:"عشر أمثالها"، فأخرج"العشر" مخرج عدد الحسنات، (١) و"المثل" مذكر لا مؤنث، ولكنها لما وضعت موضع الحسنات، (٢) وكان"المثل" يقع للمذكر والمؤنث، فجعلت خلفًا منها، فعل بها ما ذكرت. ومَنْ قال:"عندي عشر أمثالها"، لم يقل:"عندي عشر صالحات"، لأن"الصالحات" فعل لا يعدّ، وإنما تعدّ الأسماء. و"المثل" اسم، ولذلك جاز العدد به.
* * *
وقد ذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك:"فَلَهُ عَشْرٌ" بالتنوين،"أَمْثَالُهَا" بالرفع. وذلك على وجه صحيح في العربية، غير أن القرأة في الأمصار على خلافها، فلا نستجيز خلافها فيما هي عليه مُجْمِعة. (٣)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (قل)، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنامَ = (إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم)، يقول: قل لهم إنني أرشدني ربي إلى الطريق القويم، هو دين الله الذي
(١) في المطبوعة والمخطوطة: ((عدد الآيات))، وبين أنه ((عدد الحسنات))، ولا ذكر للآيات في هذا الموضع.
(٢) وكان هنا أيضًا في المخطوطة والمطبوعة: ((موضع الآيات))، والصواب ما أثبت.
(٣) في المطبوعة: ((مجتمعة))، وأثبت ما في المخطوطة.
الجزء: 12.
الصفحة: 281.
ابتعثه به، وذلك الحنيفية المسلمة، فوفقني له (١) = (دينًا قيمًا)، يقول: مستقيمًا = (ملة إبراهيم)، يقول: دين إبراهيم (٢) = (حنيفًا) يقول: مستقيمًا = (وما كان من المشركين)، يقول: وما كان من المشركين بالله، يعني إبراهيم صلوات الله عليه، لأنه لم يكن ممن يعبد الأصنام.
* * *
واختلفت القرأة في قراءة قوله: (دينًا قيمًا).
فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض البصريين:"دِينًا قَيِّمًا" بفتح"القاف" وتشديد"الياء"، إلحاقًا منهم ذلك بقول الله: (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [سورة التوبة: ٣٦ / سورة يوسف: ٤٠ / سورة الروم: ٣٠]. وبقوله: (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [سورة البينة: ٥].
* * *
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: (دِينًا قِيَمًا) بكسر"القاف" وفتح"الياء" وتخفيفها. وقالوا:"القيِّم" و"القِيَم" بمعنى واحد، وهم لغتان معناهما: الدين المستقيم.
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار، متفقتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فهو للصواب مصيبٌ، غير أن فتح"القاف" وتشديد"الياء" أعجب إليّ، لأنه أفصح اللغتين وأشهرهما.
* * *
ونصب قوله: (دينًا) على المصدر من معنى قوله: (إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم)، وذلك أن المعنى: هداني ربي إلى دين قويم، فاهتديت له"دينا قيما"= فالدين منصوب من المحذوف الذي هو"اهتديت"، الذي ناب عنه قوله: (إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم).
* * *
(١) انظر تفسير ((الهدى)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى). = وتفسير ((صراط مستقيم)) فيما سلف ص: ٢٨٨، تعليق ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الملة)) فيما سلف ٢: ٥٦٣ / ٣: ١٠٤ / ٩: ٢٥٠.